"دوزان" شربل روحانا لغة خاصة وتجربة جديدة في الكتابة لعودين / كلود ابو شقرا/
جريدة البناء
العدد 2124
يعتبر العود أكثر الآلات الموسيقية التصاقاً بالحياة، فهو يرافق المناسبات المحتلفة ويتصدر أمسيات شهر رمضان المبارك ولا يحلو السهر إلا بوجوده، ويرافق إلقاء القصائد في الأمسيات الشعرية، ويشكل مساحة طرب لكل من يهوى الإستماع إلى الموسيقى الأصيلة في زمن يسيطر فيه التشويه في كل قطاع خصوصاً الموسيقى التي تواجه أشرس الحروب لانتزاع هويتها المشرقية المتجذرة في هذه الأرض.
شربل روحانا فنان شاب آمن بعراقة آلة العود واتخذها لغة تعبير موسيقية له وأبدع مؤلفات موسيقية جمعها في ألبومات عدة آخرها "دوزان" الذي صدر في آذار الماضي ويتضمن ثماني مقطوعات هي: "دوزان"، "قبل الدوزان"، "كرمالن"، "رجوع"، "حكايا"، "عم اشتقلك"، "بسمة" تحية إلى مارسيل خليفة.
يشارك شربل روحانا مساء الخميس في الثاني من ايلول في الإحتفال لمناسبة صدور كتاب "نحو أرض ثانية" للمطران كيغام خاتشريان ويتضمن كلمات لـ: الوزير أبراهام دهده يان، الدكتور سهيل مطر، الشاعر جوزف أبي ضاهر، الأستاذ دميانوس قطار، المطران كيغام خاتشريان، التقديم لجويل فضول، إيلي أحوش، ربيع عواد، وذلك عند الثامنة والصف مساء في صالة كنيسة القديس فارطان برج حمود.
"الأنباء" التقت الفنان شربل روحانا (أستاذ آلة العود في جامعة الروح القدس- الكسليك)،الذي كانت له أكثر من محطة فنية خلال مهرجانات هذا الصيف وحاورته حول أهمية آلة العود في حياة المجتمعات العربية.
ما علاقة العود بالشعر؟
هي علاقة وثيقة جداً لأن آلة العود تنسجم مع اللغة العربية لا سيما مع الشعر، كذلك الأمر بالنسبة إلى آلتي الناي والقانون، لكن تكمن أهمية العود في أنه آلة نقر، لذا يمكن التحكم بصوته بواسطة الريشة والذي يختفي بعد هينهة ما يعطي فسحة للكلام. ثم معروف أن حدود آلة العود هي حدود الصوت البشري، وعندما نسمع صوت العود نشعر كأن هناك غناء، يعني أنه ينسجم مع الكلمة ويتآخى معها ويمكن أن يتماهى مع الصوت البشري الذي يلقي القصائد.
ما جديدك في ألبوم "دوزان" وبمَ يختلف عن أعمالك السابقة؟
أتمنى أن يكون الاختلاف موجود بين عمل وآخر أي ألا أكرر نفسي في التجارب التي اقوم بها، مع ضرورة أن يكون ثمة خيط يربط الأعمال منذ البدايات لغاية اليوم. يختلف "دوزان" في كونه مكتوب لآلتي عود، والكتابات من هذا النوع قليلة جداً لا تكاد تتعدى أصابع اليد. إذاً التفتيش ومن ثم الكتابة في هذا المنحى يتطلبان مجهوداً خاصاً لعدم وجود تراكم أعمال سابقة، ومن الطبيعي أن تكون مهمة المؤلف أكثر صعوبة كلّما قلّت الآلات الموسيقية، لأن علينا أن نبين جمال المقطوعة الموسيقية وروحيتها من خلال آلتين فقط تأليفاً وعزفاً.
ما الذي يميز الكتابة لآلتي عود؟
تتميز بتقنيات مختلفة أي تناغم بين اليد اليمنى واليد اليسرى، علينا الاتفاق من خلال الكتابة على طريقة العزف باليد اليمنى والاهتمام بتقنيات اليد اليسرى أيضاً، وكيف نكون منسجمين، من خلال آلتي نقر، مع أنفسنا ومع الآخر، لذلك استغرق تحضير العمل حوالى ثلاث سنوات بشكل متقطع لكن خضنا تجربتي تسجيل في الأستوديو لنتوصل قدر الإمكان إلى الصوت الذي نطمح إليه.
إلى من تتوجه في أعمالك؟
تجربتي عمرها 20 سنة استطعت خلالها استقطاب مختلف الأعمار لا سيما جيل الشباب، كذلك لاحظت أن أي عمل أقدمه تكون درجة الإصغاء إليه من الشباب كبيرة مع علمي المسبق بعدم انتشار هذا النوع من الموسيقى، ليس لصعوبته إنما لعدم وجود شركات إنتاج وتسويق كبيرة لتساهم في انتشار هكذا أعمال موسيقية.
أين هو موقع الغناء في موسيقاك؟
تنوعت تجربتي بين الموسيقى والغناء، إنما لاحظت أن المستمع العربي يهتم أكثر بالأغنية من دون أن نهمل عدداً لا بأس به ويتزايد من المستنعين الذين يتذوقون الموسيقى بحد ذاتها، لكن تبقى نسبة متذوقي الغناء أكبر.
كيف تتعامل مع معضلة الإنتاج التي تحدّ من انتشار الفنان؟
في هذا الزمن الصعب قررت أن أتكل على مجهودي وموهبتي وحبي لما اقوم به من دون أن أسأل عن شركات الإنتاج، اليوم أتعاون مع شركة "فورورد" للإنتاج ونتلاقى في الرغبة في التفتيش عما هو جديد ومختلف، الإمكانات ليست كبيرة إنما تحاول أن تحقق خضوراً على الساحة الفنية بالأعمال الجيدة، بالنسبة إلي لا أحب التأطير في طريقة كلام معينة وتوزيع معين وانتشار معين، وأفتش عن حريتي قدر الإمكان في التعبير.
من خلال جولاتك في العالم العربي كيف يتفاعل المستمع العربي مع آلة العود؟
آلة العود متجذرة في حياة المستمع العربي لذا يتآلف معها بشكل كبير ومع الموسيقى العربية. لا ننسَ المستمع الغربي الذي ما زال في طور اكتشاف الثقافة العربية من اغاني وموسيقى وآلات، وإن كان كثر من المؤلفين الموسيقيين الذين سبقونا عرّفوا الغرب على تراثنا.
يبقى أنني شخصياً أحبّ التعاطي بطريقة مختلفة مع آلة العود ومع الموسيقى العربية عموماً. لا أشغربأن مهمتي تقديم التراث كما هو مع احترامي لكل من يقوم بذلك خصوصاً عندما نتعاطى مع المستمع العربي، علينا استفزازه أكثر بتقدم الجديد إليه لأنه يعرف جيدأً الآلات الموسيقية وهو في جو المقامات العربية.
لكن نلاحظ أن لأجيال العربية الشابة تعيش في غربة تامة عن الموسيقى العربية.
صحيح لأنها ابتعدت كلياً عن لتراث. برأيي أننا يمكن أن ننطلق من التراث إلى أماكن إبداعية مختلفة لكن علينا أن نعرف هذا التراث أولاً، أما الإختلاف فيكون في أنماط الموسيقيين والمؤلفين والمستمعين حسب ثقافتهم الموسيقية وبيئتهم، قد يكون الشخص لبنانياً لكنه لا يحب الميجانا والفولكلور ويفضل موسيقى الجاز الغربية، صحيح أن لكل فرد الحرية في اختيار اللون الموسيقي الذي يحبه، لكنني أتساءل: لماذا يلجأ اللبناني إلى الموسيقى الغربية واللغات الأجنبية ليعبّر عن نفسه؟
الانفتاح على الثقافات الأخرى أمر مهم لكن شرط عدم التخلي عن خصوصيتنا، أي يجب أن ننطلق من بيئتنا بمكوناتها ونستفيد من مخزونها لنبدع موسيقى خاصة وجديدة.
يشغلك التجديد الموسيقي على الدوام، لماذا؟
رحلة البحث عن كل جديد أتمناها رحلة دائمة في الحياة، فهي تشبه حالة الموج الذي يكبر ويصغر قبل أن يتكسر على الشاطئ . ترتبط الطموحات بدرجة الوعي والنضج عند الإنسان لذا نلاحظ أن ثمة مشاريع مرحلية وأخرى بعيدة المدى، وفي كلا الحالتين يستمر الفنان في البحث مع علمه أن طموحاته قد لا ترى النور على الأقل في حياته.
الظاهر أن عدم الرضى هو العدة الأساسية للتجديد، مع ذلك قد لا يملك الفنان العدة المادية والمعنوية لبلوغ الرضى الذي ينشده، بالإضافة إلى عنصر الوحي الذي قد لا يتوافر على الدوام، إذا التجديد هو مرادف للقلق والأرق والإرهاق...
تعاونت مع المخرج السوري نجدة إسماعيل أنزور في مسلسل "ذاكرة الجسد"، إلى أي مدى تختلف الكتابة الوسيقية لمسلسل عن الكتابة الموسيقية التي لا تتعلق بظرف معين أو مكان معين؟
هذا التعاون هو الخامس مع المخرج أنزور، الأول كان في مسلسل "فارس بني مروان، الثاني "حور العين"، الثالث "سقف العالم"، الرابع " اسأل روحك". ألفت فيها كلها أغنية الجنريك. بالطبع يختلف التأليف الموسيقي هنا لأن علي أن أنقل مضمون المسلسل وجوّه العام في أغنية لا تتعدى ثلاث دقائق.
في "ذاكرة الجسد" حرصت على أن تجمع موسيقاي أجواء الموسيقى الفرنسية والجزائرية بالإضافة إلى أجوائي الخاصة وقد أدت الأغنية الفنانة أمل بو شوشة.
من جهة أخرى، ثمة راحة أكبر في االتأليف الموسيقي لأوركسترا من التأليف لآلة العود فحسب، ذلك أن تنوع الآلات يسمح للمؤلف الموسيقي بالتعبير بشكل أوسع عن موسيقاه.
كيف تطروت آلة العود وما وقعها اليوم في الموسيقى العربية؟
ألة العود قديمة العهد وتعود إلى حضارة الغراعنة وقد خضعت للتطور على مدى العصور من حيث الشكل وإضافة أوتار والتعاطي مع العود إلى ان وصلنا إلى العود بصيغته الحالية، هنالك طرق عدة للدوزان الوتري: العراقي، المصري، اللبناني، السوري... لعب العود دوراً أساسياً في شرح وتطبيق النطريات الموسيقية عند العرب ويعتمد في التلحين ومرافقة المغني.
منذ خمسين سنة بدأ العود يظهر كآلة مستقلة لها شخصيتها المستقلة عن الغناء، ما زال هذا الدور ينمو من خلال تشكيلات مع الأوركسترا والتأليف الموسيقي لعودين أو أكثر. ما ينقص اليوم الجو الملائم لاحتضان هذه التجارب. ما زالت الخطوات في هذا المجال فردية ومدعومة لفترة معينة، من هنا ضرورة أن يتوافر التشجيع والأرضية الصلبة التي تساعد الموسيقيين العرب على الانطلاق في هذه التجارب التي تضفي على العود حضوراً خاصاً وكيانأً مستقلاً.
هل يمكن التحدث عن مناهج محددة التدريس آلة العود؟
بالطبع لأن المنهج هو وسيلة وليس غاية خصوصاً إذا تعاطينا مع الطلاب،علينا أن نجد الوسائل السهلة لتقريب هذه الآلة من الطلاب. بعد تجربتي مع المناهج على مدى 15 سنة، ما زلت أفتش عن مناهج للتطور نحو الأفضل، ليس هنالك من شيء دائم إلى الأبد كل شيء يتغير مثل الطبيعة والإنسان.
| < السابق | التالي > |
|---|



